لماذا اعتقل بوتين آخر الأنبياء؟

0
581
د. آزاد احمد علي

 تناقلت وكالات الأنباء خبر العملية العسكرية التي قامت بها السلطات الروسية للقبض على ضابط شرطة مرور سابق، يدعي أنه تجسيد للسيد المسيح.  الذي أدار مجموعة دينية في أعماق سيبيريا على مدى العقود الثلاثة الماضية. أي منذ عام 1991م. نجحت عملية الاعتقال في اقتياد سيرغي توروب، الأشقر ذو الشعر الرمادي الطويل، الذي يبدو قد خرج للتو من أيقونات كنسية، وذلك ضمن عملية مهمة وحساسة لدرجة أن شارك فيها الحرس الوطني الروسي، وهي قوة تحت قيادة الرئيس فلاديمير بوتين مباشرة، بمساعدة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي ولجنة التحقيق.

فلماذا تمت هذه العملية بعد ثلاثين سنة من نشاط (المسيح الأخير)؟ علما أن سيرغي توروب، كان قد فقد وظيفته كضابط مرور في عام 1989،  وبعدها أدعى أنه شهد نوعا من “الصحوة” بعد انهيار النظام السوفيتي عهدئذ.  ثم أسس في عام 1991 حركة عرفت باسم كنيسة العهد الأخير. كما بات يعرف كالنبي الأخير، فضلا اسمه الشائع بين أتباعه (فيساريون).

       السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، من سمح له بالنشاط طوال ثلاثين سنة؟! وأي وظيفة كان يؤديها؟ علما أن نفوذه وشهرته توسعت عاما بعد آخر. إذ عاش الآلاف من أتباعه في مجموعة من القرى الصغيرة النائية في منطقة كراسنويارسك في سيبيريا، فيما تضم قائمة مريديه والمتحولين إلى الطائفة شخصيات مهنية من جميع أنحاء روسيا، بالإضافة إلى  أتباع وحجاج  قادمين من الخارج.

 وقد عدل النبي الأخير المسيحية، كما ترك أتباعه حياة المدن في حركة نكوصية شديدة، حيث فرضت على الجماعة النظام النباتي، وحظرت التبادل النقدي داخل مجتمعها. كما يرتدي الأتباع ملابس محتشمة وربما سميكة تناسب بيئة سيبيريا، والغريب أنهم غيروا التقويم السنوي إلى تقويمهم الخاص، الذي يبدأ من عام 1961، وهو عام ولادة النبي  سيرغي – فيساريون نفسه، لذلك تم استبدل عيد الميلاد إلى يوم ولادة سيرغي الذي يصادف يوم 14 يناير، من كل عام.

 في الإطار العام عقيدته كانت خلطا بين الأرثوذكسية وتعاليم الحفاظ على البيئة، فنتجت عنها ما يسمى بكنيسة “العهد الأخير”، أو “طائفة فيساريون”، والغريب أن الحركة توسعت واستقطبت الى صفوفها الآلاف من الأتباع،  الذين باتوا يعيشون حتى خارج القرى في أحراش كراسنويارسك. لدرجة أن انضمت إلى هذه الجموع الهائمة الحالمة: العديد الجامعيين والضباط المتقاعدين، وليس مجرد شخصيات مهمشة أو تعاني من معضلات نفسية واجتماعية حادة. وعلى الرغم من حجج المحققين الروس في تبرير عملية الاعتقال الضخمة والمتلخصة في:  “إن مؤسس الطائفة يمنع على أنصاره الاستعانة بالأطباء العاديين، وسبب ذلك في موت طفل مريض في أسرة من أتباعه. بالإضافة أو أن أحد أتباع تعاليم “فيساريون” قد انتحر بعد أن رفضت الطائفة قبوله في صفوفها..”

 فاللغز مازال قائما، لماذا لم يسلط الإعلام الضوء من قبل على هذه الجماعة؟ من سمح لها بالعمل طوال سنوات عديدة؟ ولماذا تم الاعتقال في 22/9/2020، وما الفرق بين مشهد اعتقال (آخر الأنبياء) ومشهد آخر متكرر في عمليات اعتقال قادة الحركات الثورية؟ ما درجة شبهها بعمليات الهجوم على مقر قيادات الجماعات المتطرفة في العالم؟! أو حتى اختلافها عن أية لقطة من فيلم سينمائي؟ أسئلة تظل بدون إجابات. وقد لا تكفي الإجابة بانتهاء وظيفة هكذا شخصيات إشكالية. لأنه في الجانب الآخر، تظل أكثر الأسئلة استعصاءا على الإجابة، هي معرفة سر انقياد الإنسان خلف هكذا شخصيات إشكالية؟ ما هو الهدف وما هي الغاية؟!

 مجرد التأمل في سردية والصيغة الخبرية : “قبل عدة أيام تم اعتقال آخر الأنبياء وهو المسيح الأخير سيرغي”. حتى يتم الإقرار بأننا أمام حدث يترجم آخر تعبيرات حماقة الإنسان المعاصر،  فالحدث لا ينتمي إلى  جغرافية غابات أفريقيا أو أمريكا اللاتينية، وإنما ضمن مجتمعات الشمال، وفي بلد طويت صفحة الدين فيه لعشرات السنين، كما نشر العلم فيها على أوسع مدى.

  يبدو أنه لم تعد التحليلات الكلاسيكية قادرة على شرح قابلية الإنسان العالية للانجرار وراء أشخاص شعبويين، شخصيات مجهولة تظل دون المستوى العادي،  شخصيات لا يتصفون بصفات خارقة أو استثنائية. بل الغريب أن أتباع المسيح الأخير كانوا بالآلاف ومن مختلف المستويات: “من الموسيقيين وأطباء ومعلمين وقائد في الجيش الأحمر ووزير سابق لبيلاروسيا وحجاج من كوبا وبلغاريا وبلجيكا وأستراليا وألمانيا.”

 لذلك لا يسعني إلا الافتراض بأن الإنسان ليس كتلة من العقلانية كما يفترض، ولا يلجأ الى المحاكمة العقلية  دائما، وإنما يرتكب الكثير من الحماقات، بصرف النظر عن مستواه التعليمي أو خبرته الحياتية، وحتى تقدم سنه، فالإنسان كائن معقد، أسير عواطفه، ويتأثر بالمناخات العاطفية بشدة، كما ينساق وراء الحالات الجماعية الاحتفالية، بصرف النظر عن دعائم الظاهرة المنطقية. وإلا لماذا نقرأ في التاريخ قصص لا تنتهي لارتكاب الإنسان حماقات كهذه! وأقلها السير وراء رجل قد يكون مختلا والإيمان بأقواله وانتظار وعوده التي يعجز عن تحقيقها لنفسه.

على ما يبدو الإنسان عبد احتياجاته، فهو بحاجة حتى للحماقة،  التي هي الوجه الآخر للعقلانية والتعقل. فعلى ما يبدو الإنسان كائن يحن إلى الحماقة، وإن لم يرتكبها، فهي مرغوبة خاصة إذا تشابكت الحماقة مع الأكاذيب الكبرى، واختلطت بوعود وأحلام جميلة. نفترض أن الإنسان كائن أحمق في الأصل، وإلا لماذا كل هذا الاستلاب، الجنون، والسير وراء الأوهام؟