ماذا يجري في غرب كوردستان!؟

0
739
c6603ae43702d3d4f0aca051be9e8976_M
جان كورد

مع اقتراب موعد مؤتمر الأستانة، تزداد أهمية إنجاز انتصارات عسكرية وسياسية على أرض الواقع السوري لاستخدامها كورقة ضغط قوية في المفاوضات، ليس من قبل نظام الأسد الذي يجد نفسه في موقع أقوى منذ كارثة إخلاء شرق حلب فحسب، وإنما من قبل الأطراف المحاربة ضده أيضاً، وكذلك بالنسبة لكل من روسيا وإيران، في محاولةٍ منهما للإبقاء على الأسد مندوباً لهما في دمشق ولاستمرار ابتزازه في عقد صفقات استراتيجية معه على حساب الشعب السوري، إضافة إلى تركيا التي حشرت نفسها في المعارك الدائرة في شمال البلاد، ليس بهدف اسقاط النظام الأسدي أو محاربة تنظيم الدولة الإرهابي، كما تزعم، ولكن لمجرّد منع الكورد من كسب موقع لهم تحت الشمس مهما كان ضيقاً، أو توسيع دائرة أصدقائهم في العالم، حيث ثبت لجميع البشر أنهم يستحقون كل الدعم لما أبدوه من بسالةٍ في مواجهة داعش، أعتى فصائل الإرهاب في هذا القرن، وصمدوا في القتال ضده في كوباني، في وقتٍ لم تصمد حكومتا بغداد ودمشق سوى أيامٍ قلائل أمام عدوانه، وتمكن من احتلال مساحةٍ واسعة جداً من أراضي كلا البلدين والاستيلاء على عدة مدن هامة فيهما.

ويجب هنا التأكيد على أن الهدف الأكبر لتدخّل الجيش التركي في شمال سوريا ليس محاربة داعش، وإنما للقضاء على وجود أي قواتٍ كوردية كانت غرب حوض نهر الفرات أولاً، بالتزامن مع محاولة اقناع الحلفاء والرأي العام العالمي بأن الكورد في سوريا “إرهابيون!”، بل أخطر من داعش، من دون تقديم أي دليل أو اثبات على ما تقوله، ويجب محاربتهم، في شرق الفرات أيضاً، والزعم بأن دعم الحلفاء للكورد في سوريا خطأ استراتيجي كبير ويلحق الضرر بتركيا العضو في حلف النيتو. وتسخّر تركيا الإعلام العربي والتركي لتضليل الرأي العام العربي ولرسم صورةٍ مشوهة عن الكورد، فإن كان امتلاك السلاح سبباً لنعت الكورد بالإرهاب، فإن تركيا بذاتها تدعم فصائل مسلحة في سوريا.

نرى بأن تقدم الجيش التركي على الأرض في سوريا بطيء جداً مقارنةً بتقدم الجيش العراقي أو البيشمركة الكوردية، على الرغم من أنه يعتبر ثاني أقوى جيش في الحلف المذكور بعد الجيش الأمريكي. وهذا التباطؤ سببه هو أن تركيا غير جادة في الحرب على داعش، ونشهد جميعاً كيف كان جنودها يراقبون هجمات داعش على المدينة الكوردية كوباني من قبل، دون أن يفعلوا أدنى شيء وهم على بعد أمتار، بل يتهم الكورد الحكومة والأجهزة الأمنية لأنقره بدعمها المكشوف لداعش من مختلف النواحي، كالرصد والتخابر وتقديم الخبرات والذخائر ومحاولة فتح ثغرات داخل المدينة يتواصل من خلالها الدواعش مع الجانب التركي شمال الحدود مع سوريا، وكذلك فإن حكومة أنقره نشرت للعالم بأن آلاف الدواعش متحصنين في مدينة جرابلس، ولذا فقد هاجمت بقوات مدرعة، إلا أن قتالاً حقيقيا لم يحدث فيها، ولم تنشر الحكومة التركية ما يثبت أنها حاربت داعش هناك فعلاً، فلا صور ولا فيديوهات عن وقائع الاشتباكات أو عن القتلى والأسرى والجرحى، وكأن الإرهابيين طاروا من المدينة، فلماذا استماتوا بشراسة في كوباني ولم يطلقوا النار على الجنود الأتراك في جرابلس؟

تحاول تركيا بوجودها العسكري في غرب الفرات تأسيس منطقة عازلة تحت إشرافها ويحميها مسلحون من التركمان والعرب الموالين لحزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقره، ما بين منطقة كوباني ومنطقة جبل الأكراد التي مركزها مدينة عفرين، إلا أنها صدمت بما تقدمه الولايات المتحدة وحلفاؤها من دعم عسكري لما يسمى بـ” قوات سوريا الديموقراطية” وهو تحالف سياسي – عشائري من الكورد والعرب يسيطر عليه كلياً حزب الاتحاد الديموقراطي، الذي يتهمه المجلس الوطني الكوردي المنضم إلى إئتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية بالموالاة لنظام الأسد، وبالتبعية المطلقة لقيادة حزب العمال الكوردستاني القابعة في جبل قنديل بالقرب من الحدود التركية – العراقية. وحزب الاتحاد هذا بدأ يشعر في الآونة الاخيرة  بالعزلة السياسية بسبب الأخطاء الجسيمة التي يرتكبها حيال معارضي سياساته من قبل الحركة الكوردية والمعارضة السورية، ولذا فإنه يتراجع عن عديدٍ من مواقفه السياسية المعلنة، إرضاءً للحكومة التركية وتنسيقاً مع دمشق، بإنكاره التبعية لقيادته في (جبل قنديل)، التي اسمها في قائمة المنظمات الإرهابية في الولايات المتحدة الأمريكية وفي دول الاتحاد الأوروبي.

 لا أعتقد أن حزب الاتحاد الديموقراطي قادر على تحقيق إنجازات أخرى على الساحة السورية، فالمعارضة السورية تعتبره أحد فصائل الموالاة لنظام الأسد الضعيف، ونظام الأسد يفعل كل ما يمكن لإرضاء تركيا واقناعها بخروج جيشها من الأراضي السورية، والمجلس الوطني الكوردي يعلن صراحةً أن لا تعاون وتنسيق مع هذا الحزب إلا بعد التأكد من أنه عازم فعلاً على الالتزام بما تم الاتفاق عليه معه في جنوب كوردستان برعاية الرئيس بارزاني، في (هه ولير — أربيل ودهوك)، في حين أن حكومة أنقره التي لها علاقات جيدة مع حكومة إقليم جنوب كوردستان، ومع المعارضة السورية، ستسعى للسيطرة على مناطق أوسع باستخدام الجيش المزوّد بشتى أنواع الأسلحة وبالطائرات، وذلك قبل انعقاد مؤتمر الأستانة، بل هي في منافسة مع نظام الأسد على الأرض السورية، في حين أن روسيا التي تراوغ وتناور دبلوماسياً منذ سنوات، إلاّ أنها تدعم حرب الأسد على شعبه بما لديها من طاقات سياسية وعسكرية كدولة عظمى وباستخدام القوة للإبقاء على الأسد في حكمه، طوال السنوات الماضية من الحرب السورية التي راح ضحيتها مئات الألوف من المدنيين ودمرت بها سوريا تدميراً شبه تام.

مشروع “الإدارة الذاتية” لغرب كوردستان تم تحويله إلى “فيدرالية شمال سوريا”، تحت ضغط تركي هائل وبرغبة سورية –  إيرانية، بحكم الظروف والواقع الذي عليه المنطقة الشمالية من سوريا، وهذا بحد ذاته فشل لا يستطيع حزب الاتحاد الديموقراطي الاعتراف به لأن اعترافاً كهذا سيؤثر في بنيته التنظيمية سلباً، وهو يعاني من عدم الاكتراث به سياسياً، رغم كبر حجم قواه العسكرية وتواجده الأمني على الأرض، لا من قبل الحكومة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ولا من قبل الروس والإيرانيين والأتراك، مما سيرغمه للبحث عن هيكلية سورية للدخول فيها أو التنسيق معها ليكون حاضرا من خلالها في مؤتمر الأستانة، أو أنه سيضطر للإعلان صراحةً عن تحالفه مع نظام الأسد، وفي هذا خطر عليه سيضعف من وجوده كحزب سياسي بين الشعب الكوردي، وفي الوقت ذاته سيتودد لتركيا، وسيعلن عن قبوله بالعودة إلى اتفاقه مع المجلس الوطني الكوردي، وفي الوقت ذاته سيعمل على تلمييع صورته أمام المجتمع الدولي عامةً وفي أوروبا خاصةً، بأن يظهر نفسه كمدافعٍ عن قيم الاشتراكية الدولية، وذلك لتواجد جاليات كوردية كبيرة غرب أوروبا، تمده بالمال الضروري لاستمرارية قوته العسكرية على الأرض. وقد يقدّم الحزب طلباً للانتساب إلى “الاشتراكية الدولية”، مدعوماً في محاولته تلك من الاتحاد الوطني الكوردستاني وأحزاب أوروبية يسارية، مما سيستر بهذا الانتساب على سياساته القمعية في غرب كوردستان تجاه المعارضين له من الحزبيين والإعلاميين والمثقفين الكورد، ويقطع الطريق على من يود  زج اسمه في قائمة المنظمات الإرهابية، وإلاّ فإنه سيفقد بريقه السياسي ولمعانه العسكري، حتى وإن كان القوة الأهم في موضوع “تحرير الرقة” قريباً، لأنه حزب قام على أكتاف الشعب الكوردي، وإذا به الآن يدافع عن كل شيء إلاّ عن  هذا الشعب، بل شوه حقه القومي في إدارة نفسه فيدرالياً في غرب كوردستان بإعلانه “فيدرالية شمال سوريا”، وأوقع نفسه في ورطة منذ البداية بافتعاله “الخط الثالث” أي الابتعاد عن المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية والتهجم المستمر عليها، وخرق الوعود التي اتفق على تنفيذها مع المجلس الوطني الكوردي برعاية السيد الرئيس مسعود بارزاني، وسكت عن جميع جرائم نظام الأسد ضد الإنسانية، وأفسح المجال لأن ينتعش حزب البعث العنصري من جديد في المنطقة الكوردية، ومارس سياسة ستالينية على شعبه الكوردي. ولكن، هل هذا الحزب وحده مسؤول عما يجري في غرب كوردستان من تدمير للبنى الاقتصادية والمخزون البشري واحباطٍ سياسي وابتعادٍ عن جوهر القضية الكوردية؟

يجب أن نكون منصفين وعادلين، فالأحزاب الكوردية الأخرى لم تتمكن خلال سنوات الحرب السورية من تعزيز قواها على الأرض، ولم تتمكن من بناء البديل الديموقراطي القادر على زحزحة حزب الاتحاد الديموقراطي من موقعه المتقدم، رغم سلوكياته اللا مسؤولة حقاً، وها هم قادة بعض هذه الأحزاب يتملقون نظام الأسد من جديد ويحاولون منافسة نائب مجلس الشعب الشهير عمر أوسى على مرتبة “العميل الأوّل” للنظام، فيا للعار!

اليوم، حيث الأنظار مشدودة إلى مؤتمر “الأستانة”، الذي هدفه الأول هو إظهار روسيا كدولة عظمى ساعية لتحقيق السلام في سوريا بأي ثمنٍ كان، بعد أن ثبت دعمها المطلق لنظامٍ فتك بشعبه سنواتٍ طويلة بسلاحٍ روسي وبمساعدة روسية، يجدر بالسياسة الكوردية “السورية” أن ترتفع أيضاً إلى مستوى المسؤولية القومية، فهل يقوم زعماء الحركة السياسية الكوردية بدورهم المأمول في تحقيق إنجازٍ سياسي مشتركٍ واحد على أرض المعركة السياسية، يعوضهم عن الفشل في المعركة العسكرية، قبل الذهاب إلى أي مؤتمرٍ دولي أو روسي أو سوري؟ وأعني بذلك: إيجاد ممثلية كوردية سورية واحدة تلفت انتباه المجتمع الدولي .